الشيخ محمد رشيد رضا
70
الوحي المحمدي
لم يحضر سمرهم ولهوهم إلا مرتين ألقى اللّه عليه النوم في كل منهما ، حتى طلعت الشمس فلم ير ولم يسمع شيئا ، وقد بطل بهذا ما علل به الخبر على ما فيه من المدح المتضمن لدسيستين : ( إحداهما ) : أن أنداده من قريش كانوا متعلمين وكان هو محروما مما لقنهم آباؤهم من العلم ، وكان حرمانه هذا يزيده شغفا بالبحث والاستطلاع . ( والثانية ) : أن نفسه كانت بسبب هذا تزداد طموحا إلى نور الحياة المتجلى في جميع مظاهرها لاستكناه ما تدل عليه المظاهر . فهذه مدحة غرضه منها تعليل ما انبثق في نفسه صلّى اللّه عليه وسلم بعد ذلك من الوحي ، وسترى بطلان تعليله . المقدمة التاسعة : موت أبناء محمد وما أثاره في نفسه ثم ذكر درمنغام مسألة أبناء النبي صلّى اللّه عليه وسلم القاسم ، والطيّب ، والطاهر ، وهو يشك في وجودهم ، ويقول إن تكنيته بأبى القاسم لا تدلّ على وجود ولد له بهذا الاسم ، وإنه إن صحّ أنهم ولدوا فقد ماتوا في المهد ، هذا زعم ووهم ، والحق أنه ولد له غلام سماه القاسم وكنى به وأنه مات طفلا . وقيل عاش إلى أن ركب الدابة فهذا متواتر . ثم ولد له آخر سماه عبد اللّه ، والصحيح أنّ الطيّب والطاهر لقبان له لا اسمان لغلامين آخرين كما قيل « 1 » ، ولكن درمنغام قد كبر مسألة موت هؤلاء الأولاد الذين يشك في وجودهم تكبيرا ، وبنى عليها حكما ، وأثار وهما ، قال بعد أن زعم أن محمدا تبنى زيد بن حارثة ؛ لأنه لم يطق على الحرمان من البنين صبرا : « فمن حق المؤرخ أن يجعل هذا الحادث ؛ بل الحوادث الثلاثة التي أصابت محمدا في بنيه ما هي جديرة بأن تتركه في حياته وفي تفكيره من أثر ، والأمر كذلك بنوع خاص إن كان محمدا أميا ، فلم تكن المضاربات الجدلية ( كذا ) لتصرفه عن التأثر بعبر الحوادث ودروسها ، وحوادث أليمة - كوفاة أبنائه - جديرة بأن تستوقف تفكيره ، وأن تصرفه كل واحد منها إلى ما كانت خديجة تتقرّب به إلى أصنام الكعبة ، وتنحر لهبل واللات والعزّى
--> ( 1 ) وقع في الطبعتين السابقتين أنهما كانا لقبين للقاسم وهو سهو . وحكمة موتهما ثم موت ولده إبراهيم الذي ولدته له ماريّة القبطية أنه لو ترك ولدا ذكرا لفتن بعض الناس بعبادته وعبادة ذريته بأشد مما فتنوا ببعض ذرية بنته فاطمة - رضى اللّه عنها - .